السيد عبد الأعلى السبزواري

62

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

أقول : يظهر وجهه مما سبق . وعن ابن عباس : « قالت اليهود كيف يسمع ربّنا دعاءنا وأنت تزعم أنّ بيننا وبين السماء خمسمائة عام وغلظ كل سماء ذلك ؟ فنزلت الآية : وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ . وروي أنّ قوما قالوا للنبي ( صلّى اللّه عليه وآله ) : « أقريب ربّنا فنناجيه أم بعيد ربنا فنناديه ؟ فنزلت الآية المباركة » . وروي أنّ سبب نزولها : « أنّ النبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله ) سمع المسلمين يدعون اللّه بصوت رفيع في غزوة خيبر فقال لهم النبي ( صلّى اللّه عليه وآله ) : أيّها الناس أربعوا على أنفسكم فإنّكم لا تدعون أصمّا ولا غائبا إنّكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم » . أقول : يمكن أن تكون جميع هذه الأخبار معتبرة كل بحسب طائفة وقوم فتختلف باختلاف الجهات . أما الأول : فبحسب مزاعم اليهود حيث زعموا أنّ سمع اللّه يكون كسمعنا يحجب بالحجاب ، ولكنّه باطل ، لأنّ المراد بسمعه تبارك وتعالى : العلم بالمسموعات والإحاطة بها كما في جملة من الروايات ، ولذا لا يشغله سمع عن سمع لأنّ علمه الإحاطي يشتمل على جميع ما سواه . أما الثاني : فيكشف عن جهلهم بالحقائق . وأما الأخير : فهو ناش عن سوء أدبهم ، فإنّ الآية المباركة ترشد إلى نبذ بعض العادات السيئة التي كانت سائدة عندهم فيكون مثل قوله تعالى : لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [ النور - 63 ] ، وقال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [ الحجرات - 4 ] .